للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأقصى والثانون فى جبل نفوسة بليبيا وأعجب البربر بمادئهما وما تقرّر من التسوية المطلقة بين العرب والموالى بربرا وغير بربر فى شئون المال والضرائب وشئون الحكم حتى فى تولى الخلافة، فينبغى أن يتولاها أكفأ المسلمين عربيا أو بربريا أو عبدا حبشيّا. واعتنق المذهب الصفرى كثيرون من أهل المغرب الأقصى، وتولّى زعامتهم ميسرة ثم خالد بن حميد الزناتى، وواقعوا جيوش الدولة وانتصروا عليها مرارا، وانسحب منهم سمكو بن واسول فكون دولة صفرية فى سجلماسة ظلت حتى أواخر القرن الثالث الهجرى، أما صفرية الشمال فى طنجة وإقليمها فقد ظلت تنازل الولاة فى عهد بنى العباس حتى قضى عليهم يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ‍). ويطيب لبعض المستشرقين أن يجعلوا من اعتناق البربر لمبادئ الخوارج فى النصف الأول من القرن الثانى الهجرى دليلا على أن المغاربة أو البربر حاولوا أن يرفضوا الإسلام حينئذ والعروبة معه، وهو رأى مخطئ أشد الخطأ، لأن البربر لم يفكروا يوما فى رفض دينهم الحنيف الذى اعتنقوه ولا فى رفض العربية التى تغلغلت فى أعماقهم وعبروا بها عن مشاعرهم وعواطفهم وأهوائهم، إنما كل ما هناك أنهم ثاروا على الظلم والعسف فى جمع الضرائب المجحفة التى ينكرها الإسلام كما ينكر التفرقة بين العربى المسلم والبربرى المسلم فى الحقوق المالية وغير المالية، فثورتهم إنما كانت مطالبة شرعية بتطبيق مبادئ دينهم وما ابتغاه من العدل المطلق بين أتباعه عربا وبربرا وغير بربر. ومن أكبر الدلالة على مدى ما حدث بين البربر من شعور عميق بالتعرب أن نجد قبائلهم جميعا تحاول كل منهم-منذ القرن الثانى الهجرى-أن تلفق لها نسبا يصلها بالعرب، ومر بنا فى الفصل الثانى أن قبائلهم كانت ترجع إلى جذمين أو أصلين كبيرين هما البرانس والبتر، وكانت البرانس تحاول الانتماء إلى العرب القحطانيين، بينما كانت القبائل البتر تحاول الانتماء إلى القبائل العدنانية.

وما نتقدم فى المغرب الأقصى إلى سنة ١٧٢ هـ‍/٧٨٨ م حتى نجد إدريس بن عبد الله الحسنى يصل بفراره من وجه العباسيين إلى مدينة وليلى وينزل على إسحاق بن محمد زعيم قبيلة أوربة ويعرفه بنفسه فيكرمه إكراما لا مزيد عليه ويطلعه على سره وأنه يريد أن يؤسس للعلويين بالمغرب الأقصى دولة، فجمع له عشائر قبيلته وبايعته، وسمعت به قبائل زواغة ومكناسة وغمارة وعشائر من زنانة فوفدت عليه وبايعته ولم يلبث أن جهز جيشا نازل به تادلة جنوبى وليلى وتامسنة على المحيط، وكان بعض أهلهما لا يزال وثنيا أو يؤمن باليهودية أو المسيحية، ففتح حصونهم وأسلموا جميعا. وبذلك تأسست دولة الأدارسة فى وليلى وسرعان ما أسس إدريس الثانى خليفة أبيه إدريس مدينة فاس فى سنة ١٩٢ هـ‍/٨٠٧ م.

وكانت تلك الدولة الإدريسية أول دولة إسلامية عربية تأسست فى المغرب الأقصى، ومضى إدريس الثانى وأبناؤه وأحفاده إلى نهاية دولتهم سنة ٣٠٤ هـ‍/٩١٦ م ينشرون الإسلام السنى فى تلك الديار ويطهرونها من الصفرية والرافضة، وفتح إدريس الثانى أبواب دولته لوفود شخصيات

<<  <  ج: ص:  >  >>