للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومعروف أن بوذا-عند الهنود-كان ملكا أو ابن ملك خلع ثياب ملكه وساح فى العالم عابدا ناسكا. وخصلة عند أبى العتاهية لا يمكن تفسيرها إلا على أساس نزعته المانوية، ذلك أنه كان مع دعوته إلى الزهد شحيحا شحّا شديدا مع كثرة ما كان يكتنز من الذهب والفضة وتروى فى شحه نوادر كثيرة (١)، تدلّ على حرصه البالغ، حتى ليأبى أن يتصدّق بدانق، وتفسير ذلك أن المانوية كانوا يؤمنون بأن المانوى الصادق ينبغى أن يعيش على المسألة فلا يأكل إلا من كسب غيره الذى عليه غرمه ومأثمه (٢)، فهو يحرّم ماله على نفسه وعلى غيره ويعيش على السؤال والاستجداء. وفعلا ظل أبو العتاهية على الرغم من نسكه الظاهر يمدح الرشيد وينال جوائزه، فهو يمدحه حين يعهد عهد، المعروف لبنيه الثلاثة (٣) سنة ١٨٦ وهو يمدحه حين يهزم نقفور إمبراطور بيزنطة ويستولى على هرقلة (٤) سنة ١٩١. وحين يتوفّى الرشيد يبادر إلى مديح الأمين بمثل قوله (٥):

يا عمود الإسلام خير عمود ... والذى صيغ من حياء وجود

إن يوما أراك فيه ليوم ... طلعت شمسه بسعد السّعود

وينال جوائزه وجوائز أمه زبيدة. ولما قتل الأمين وقلّد المأمون العراق الحسن ابن سهل أسرع يدقّ بابه، فأمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب وأجرى له كل شهر ثلاثة آلاف درهم (٦)، وقدم المأمون فاستقبله بمثل قوله (٧):

لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق فوق أعواد منبر

ويقول الرواة إنه كان يجرى عليه فى كل عام عشرين ألف درهم غير ما كان يغدق عليه من جوائزه فى الحين بعد الحين (٨). ومعنى ذلك أن زهده إنما كان زهدا فى الظاهر، أما فى الباطن والواقع فقد ظل من طلاب الدنيا ومتاعها الزائل، وظل يطلبها ويلح فى الطلب إلحاحا شديدا وسجّل عليه سلم الخاسر ذلك فى بعض أشعاره (٩)


(١) أغانى ٤/ ١٦ وما بعدها.
(٢) الحيوان ٤/ ٤٥٩.
(٣) أغانى ٤/ ١٠٤.
(٤) أغانى (طبع الساسى) ١٧/ ٤٦.
(٥) أغانى (طبع الساسى) ٢١/ ١١.
(٦) أغانى (طبع دار الكتب) ٤/ ٨٩.
(٧) أغانى (ساسى) ٢١/ ١٣.
(٨) أغانى (دار الكتب) ٤/ ٥٣.
(٩) أغانى (ساسى) ٢١/ ٧٦ وانظر أغانى (دار الكتب) ٤/ ٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>