الصافية فوق الزنبقة الناصعة تحت الأشعة الساطعة، وقل له: إنها لا تهتف باسم غير اسمه، ولا تبتسم لرسم غير رسمه، وإن رآها أغنته رؤيتها عن المرآة المجلوة؛ لأنه يرى صورته في وجهها كما تتشابه الدميتان المصبوبتان في قالب واحد.
ولم تزل تناجي القمر بمثل هذه النجاء حتى رأته ينحدر إلى مغربة، فودعته وداعا جميلا، وقالت: إلى الغد يا رفيقي العزيز، ثم قامت إلى سرير ابنتها، فحنت عليها برفق وقبلتها في جبينها قبلة المساء، وذهبت إلى مضجعها، وما هو إلا أن غشت بجفنها السنة الأولى من النوم حتى أسلمتها أحلامها إلى أمانيها وآمالها، فرأت كأن "جوستاف" قد عاد من سفره، فاستقبلته هي وابنتها على باب القصر، فنزل من مركبته، وضمهما معا إلى صدره ضما شديدا، وظل يقبلهما، ويبكي فرحا وسرورًا.
فإنها لمستغرقة في حلمها إذ شعرت بيد تحركها، فانتبهت فإذا صدر النهار قد علا، وإذا خادمتها واقفة على رأسها ضاحكة منطلقة تقول لها: بشراك يا سيدتي فقد حضر سيدي، فاستطارت فرحا وسرورا، وقالت: أحمد اللهم فقد صدقت أحلامي، وأسرعت إلى غرفة ملابسها، فبدلت أثوابها ثم دخلت عليه في غرفته باسمة متهللة تحمل ابنتها على يديها، فرأته واقفا في وسط الغرفة متكئا على كرسي بين يديه، فهرعت إليه ولكنها ما دنت منه حتى تراجعت حائرة مندهشة؛ لأنها رأت أمامها رجلا لا تعرفه، ولا عهد لها به من قبل، بل هو بعينه، ولكنها رأت وجها صامتا متحجرا لا تلمع فيه بارقة ابتسام، ولا تجري فيه قطرة بشاشة، فأنكرته، إلا أنها تماسكت قليلا، ومدت إليه يدها تحييه، فمد إليها يده بتثاقل وفتور، كأنما ينقلها من مكانها نقلا، ولم يلق على وجه الطفلة، وكانت تبتسم إليه، وتمد نحوه ذراعيها نظرة واحدة، وكانت أول كلمة قالها: -أباقية أنت في القصر حتى اليوم، فازدادت دهشة وحيرة ولم تفهم ماذا يريد، وقالت له: وأين كنت تريد أن تراني يا سيدي؟ في القصر كما تركتك، ولكني أظن أنك لا تستطيعين