للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

«شَهِدْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ لِأَبِي الأَشْهَبِ: قُلْ: سَمِعْتُ، قُلْ: سَمِعْتُ» (١). وبذلكَ يتعرَّفونَ الأحاديثَ متَّصلةَ السَّماعِ منْ المُدلَّسَةِ، وكذلكَ يتعرَّفونَ المُسقَطَ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مالكٌ «ت ١٧٩ هـ»: «كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الزُّهْرِيِّ وَإِلَى مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، فَيَقُولُ الزُّهْرِيُّ: قَالَ ابنُ عُمَرَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسْنَا إِلَيهِ، فَقُلْنَا لَهُ: الذِي ذَكَرْتَ عَنِ ابنِ عُمَرَ، مَنْ أَخْبَرَكَ بِهِ؟ قَالَ: ابنُهُ سَالِمٌ» (٢).

الطَّريقةُ الثَّانيةُ: السَّبْرُ وَمُقارنةُ الأسانيدِ:

يُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحمَلَ السَّقطُ فيهِ بالسَّبرِ على التَّدليسِ ثلاثةُ شروطٍ: أنْ يكونَ مِنْ راوٍ مُدلِّسٍ، وبصيغةٍ مُحتملةٍ للسَّماعِ، وإمكانُ اللقاءِ بينَ الرَّاوي ومَنْ روى عنهُ تدليسَاً، لأننَّا إذَا سبرنَا حديثَاً ما، ووجدنَا سقطَاً في الرُّواةِ، فيمكنُ حملُهُ على مُجرَّدِ الانقطاعِ، أو على العالي والنَّازلِ إذَا كانَ مُتَّصلاً على الجهتينِ، أو على المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ إنْ كانَ وهمَاً، وكذلكَ الصِّيغةُ مُحتمِلةُ السَّماعِ إذَا كانتْ مِنْ غيرِ مُدلِّسٍ يُحملُ الحديثُ على مُطلقِ الاتِّصالِ، فالسَّقطُ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ يُحملُ على غيرِ التَّدليسِ، والصِّيغَةُ مُحتملةُ السَّماعِ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ تُحملُ على التَّحديثِ.

وهذَا مدخلٌ مهمٌّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ التَّدليسِ، لأنَّنَا بذلكَ نكونُ قدِ استبعدْنَا منْ دائرَةِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ الرُّواةَ غيرَ المدلِّسينَ، وكذلكِ أحاديثَهُمْ ومرويَّاتِهِمْ، وأحاديثَ ومرويَّاتِ المدلِّسينَ مُتَّصلةَ السَّماعِ، ونحصرُ عملَنَا بمرويَّاتِ منْ عرفَنْاهُ موصوماً


(١) المصدر ذاته ١/ ٨٢.
(٢) العلل ومعرفة الرِّجال ١/ ٢٩٤.

<<  <   >  >>