وَقَالَ: " «إِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ انْطَلَقَ الْوِكَاءُ» " (١) وَإِذَا كَانَ النَّوْمُ مَظِنَّةَ الْخَارِجِ الْمُحْتَمَلِ وَجَبَ إِدَارَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الشَّارِعِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْخُرُوجِ؛ دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَالْحَرَجِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ، وَبِهِ يَقَعُ الْجَوَابُ عَنِ الْإِغْمَاءِ وَالْمَسِّ.
وَيَلْزَمُ مِنْ رُجْحَانِ الْحَدَثِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ امْتِنَاعُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ زَجْرًا لَهُ عَنِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ ظَنِّ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ قَبِيحٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، وَالشَّاهِدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ الصُّورَةُ الْأُولَى.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْحَدَثِ الْمَظْنُونِ عِنْدَكُمْ.
قُلْنَا: إِنَّمَا لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا نَقُولَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ كَالتَّقْدِيرِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِصْحَابُ وَالِاسْتِمْرَارُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ، لَكَانَ الِاسْتِمْرَارُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، إِنْ كَانَ عَدَمُ الِاسْتِمْرَارِ هُوَ الْأَغْلَبَ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ إِنْ كَانَ الِاسْتِمْرَارُ هُوَ الْأَغْلَبَ، وَإِنْ تَسَاوَى الطَّرَفَانِ فَهُوَ احْتِمَالٌ مِنْ ثَلَاثَةِ احْتِمَالَاتِ، وَوُقُوعُ احْتِمَالٍ مِنَ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ، أَنَّا إِنَّمَا نَدَّعِي أَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ فِيمَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ كَالْجَوَاهِرِ أَوْ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ كَالْأَعْرَاضِ، وَعَلَيْهِ بِنَاءُ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى هَذَا فَالْأَصْلُ فِي الزَّمَانِ بَقَاؤُهُ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ.
وَأَمَّا الْحَرَكَاتُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النِّزَاعِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالنَّقْضُ بِهِ يَكُونُ مُنْدَفِعًا.
(١) الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بِلَفْظِ: " الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ "، وَنَسَبَهُ إِلَى أَحْمَدَ وَإِلَى الدَّارَقُطْنِيِّ، وَفِي سَنَدِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ، انْظُرْ تَهْذِيبَ التَّهْذِيبِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.app/page/contribute