قصر وزير من وزرائى، ويكون كلّ علم عليه ناطور. فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحصن؛ ثم أتوه فأخبروه بالفراغ ممّا أمرهم به.
قال: فأمر شدّاد ألف وزير من خاصّته أن يهيّئوا أسبابهم، ويعوّلوا على النقلة إلى إرم ذات العماد، وأمر رجالا أن يسكنوا تلك الأعلام ويقيموا فيها ليلهم ونهارهم، وأمر لهم بالعطاء والأرزاق، وأمر من أراد من نسائه وخدمه بالجهاز إلى إرم ذات العماد؛ فأقاموا فى جهازهم عشر سنين؛ ثم سار الملك شدّاد بن عاد بمن أراد، وتخلّف من قومه فى عدن من أمره بالمقام بها.
قال: فلمّا استقلّ وسار إليها ليسكن فيها، وبلغ منها موضعا بقى بينه وبين دخوله إليها مسيرة يوم وليلة، بعث الله تعالى عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء، فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل شدّاد ولا من كان معه إرم ذات العماد، ولم يقدر أحد منهم على الدخول فيها حتى الساعة.
فهذه صفة إرم ذات العماد، وأنّه سيدخلها رجل من المسلمين فى زمانك ويرى ما فيها، فيحدّث بما عاين، ولا يسمع منه ولا يصدّق. فقال معاوية:
يا أبا إسحاق، فهل تصفه لنا؟ قال: نعم، هو رجل أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج فى طلب إبل له ندّت فى تلك الصحارى فيقع على إرم ذات العماد، فيدخلها ويحمل ممّا فيها. والرجل جالس عند معاوية.
فالتفت كعب فرأى الرجل، فقال: هو هذا يا أمير المؤمنين قد دخلها، فاسأله عما حدّثتك به. فقال معاوية: يا أبا إسحاق، إنّ هذا من خدمى، ولم يفارقنى. قال كعب: قد دخلها وإلّا سوف يدخلها، وسيدخلها أهل هذا الدين فى آخر الزمان. قال معاوية: يا أبا إسحاق، لقد فضّلك الله على غيرك من العلماء