للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهل تراك لو وصفته بالقصر، فقلت: هو كأقصر ما يتصور، أو كلمح البصر, أكنت ترى فيه من تجسيم المعنى، وعرضه في صورة ملموسة ما تراه في قولهم: "أيام كأباهيم١ القطا"، أو في قول الشاعر:

ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب؟ ٢

ذلك أن اطمئنان القلب إلى ابن الحاسة أقوى وأتم -كما رأيت- ألا ترى إلى قول إبراهيم الخليل عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .

وإن شئت المثل الأعلى لهذا النوع, فعليك بكتاب الله في غير موضع منه؛ قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ} ، وقال جلت قدرته: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} ، إلى غير ذلك من صور إبراز المعاني المحجوبة عن العيان في معارض الحس والمشاهدة؛ ليكون ذلك أمكن في النفس، فيقوى إيمانها به، واطمئنانها إليه.

وهذا الغرض لا يتحقق إلا بالأمرين جميعا: أعرفية المشبه به بوجه الشبه، وأتميته فيه, أي: أن يكون المشبه به أعرف بوجه الشبه من المشبه، وأن يكون أتم وأقوى منه فيه؛ لأن النفس إلى الأتم الأقوى أميل، فالتشبيه به لقصد التقرير والتقوية أجدر, فأنت إذا قلت مثلا: إن القلوب المتنافرة يتعذر عودتها إلى التواصل, جاز أن يتوهم -كما قلنا- إمكان عودتها إليه, فإذا مثلت هذا المعنى بالزجاجة المتصدعة،


١ الأباهيم جمع إبهام -بكسر الهمزة- وهو أكبر أصابع اليد أو الرجل، والقطا جمع قطاة, وهي طائر معروف بخفة الحركة.
٢ سالفة الذباب: مقدم أعناقه.

<<  <  ج: ص:  >  >>