للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"القمر" للبون الشاسع بين الصورتين؛ فإن القمر مسكنه في السماء، والعرجون في الأرض، والقمر مثال العلو والهداية، والعرجون شيء تافه حقير، لا تكاد تظهر له فائدة، فشتان ما بين الصورتين، وناءٍ ما بين الطرفين. ومثله قول الشاعر يصف أزهار البنفسج على سيقانها:

ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت

كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت١

كان المناسب للشاعر أن يشبه صورة أزهار البنفسج، وهي على سيقانها بما يناسبها من الأزهار, إذ هو الذي يتبادر إلى الذهن عند استحضار صورة البنفسج، ولكنه شبهها بصورة النار في أطراف الكبريت أول شبوبها, ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من تعلق أجرام صغيرة لطيفة، ذات لون خاص على شكل خاص بجرم دقيق الساق يخالفها لونا. فصورة النار في أطراف الكبريت غير نادرة الحضور في الذهن؛ إذ إنها في متناول عامة الناس، واقعة بين أيديهم وأرجلهم، لكنها تندر عند استحضار صورة البنفسج وهو على سيقانه لما بينهما من عدم التجانس، وبعد الموطن, فهذا زهر ندي لطيف، وذاك لهب حار عنيف، وهذا يسكن الخمائل، وذاك يستوطن المنازل، فبعد ما بين الطرفين.


١ "لازوردية" بكسر الزاي وفتح الواو وسكون الراء صفة لمحذوف, أي: رب أزهار من البنفسج لازوردية, نسبة إلى الحجر المسمى باللازورد؛ لكونها على لونه فهي نسبة تشبيهية، و"تزهو" من الزهو وهو الكبر، ونسبة التكبر إلى البنفسج تجوز, و"حمر اليواقيت" من إضافة الصفة للموصوف أي: اليواقيت الحمر، يحتمل أن يراد بها المعنى الحقيقي، ويحتمل أن تكون استعارة أراد بها الأزهار الحمر لمشابهة الأزهار بها, وهو المناسب للبنفسج بدليل قوله: "بين الرياض"، و"فوق قامات" حال من اسم "كأن"، و"ضعفن بها" يريد انحنين بها؛ لأن الساق التي عليها زهر البنفسج إذا طالت انحنت وكأنها ضعفت عن حمله, و"أوائل النار" أي: في بدء اشتعالها, وإنما قيدت بذلك؛ لأن النار في هذا الحال يضرب لونها إلى الزرقة الشبيهة بلون البنفسج.

<<  <  ج: ص:  >  >>